→ العودة إلى كيكو لاب
أغسطس ٢٠٢٦

بعد ثمانية أشهرٍ من الشُّعلة

في نيسان، أنهت شُعلةٌ هابطةٌ من الكورفا نورد مباراةً وأخجلت مدينةً بأكملها. وفي كانون الأول، عاد ديدا ليقف أمام المدرّج نفسه فمنحه سان سيرو إحدى أغرب تسعين دقيقةً في تاريخ الديربي وأشدّها جنونًا.

في نيسان/أبريل، غادرت الشُّعلة مدرّج الكورفا نورد في قوسٍ بطيءٍ تابعته العيون كلّها حتى نهايته، ثم هبطت على كتف دِيدا. سقط الحارس. أخرج الحكم اللاعبين. وكان ميلان متقدّمًا بثلاثة أهدافٍ في مجموع المباراتين، والتأهّل محسومًا سلفًا، ومع ذلك انتهى ربع نهائي دوري الأبطال على هذا النحو: مباراةٌ مُلغاة، وحارسٌ مصاب، وكرةُ مدينةٍ بأكملها تحوّلت إلى شيءٍ يُعتذَر عنه.

وبعد ثمانية أشهر، في أحدٍ رماديٍّ من كانون الأول/ديسمبر، خرج دِيدا إلى أرض سان سيرو من جديد، وأدار وجهه نحو المدرّج نفسه.

هذه المرّة كانت مجرّد مباراةٍ في الدوري. مجرّد — بالقدر الذي يمكن فيه لديربي ميلانو أن يكون «مجرّد» أيّ شيء.

دخل الإنتر المواجهة يحمل ما هو أثقل من جدول الترتيب. ثلاثة أعوامٍ لم يتذوّق فيها طعم الفوز على ميلان، منذ 2002: مرّ عليه نصف نهائي دوري الأبطال في 2003، ومرّت عليه فضيحة نيسان، ومرّت عليه كلّ النسخ التي حاول روبرتو مانشيني أن يبنيها من هذا الفريق. في المقابل كان لدى ميلان كاكا وشيفتشينكو ونيستا وبيرلو، فريقٌ لم يفصله عن ليلة إسطنبول سوى موسمٍ ونصف، وما يزال يطارد يوفنتوس في الصدارة.

وكان لدى الإنتر أدريانو. شابٌّ في الثالثة والعشرين، ما زال قادرًا على أن يجعل الكرة تبدو وكأنها أساءت إليه شخصيًّا.

حضر ستّةٌ وسبعون ألفًا. واحتاج الأمر أربعًا وعشرين دقيقةً ليصير غريبًا.

لمست ذراع نيستا الكرة داخل المنطقة. ركلة جزاء للإنتر. سجّلها أدريانو.

وبعد خمس عشرة دقيقة، لمست ذراع أدريانو الكرة في الجهة المقابلة. ركلة جزاء لميلان. سجّلها شيفتشينكو.

جريمتان متطابقتان، وعقوبتان متطابقتان، وهدفٌ لكلٍّ منهما، والرجل نفسه في قلب الحكايتين: جلّادًا أوّلًا، ثم متّهمًا. لو كُتب هذا في سيناريو لرفضه المخرج. انتهى الشوط الأول 1–1، وفي المدرّجات ذلك الإحساس بمباراةٍ لم تقرّر بعد ما الذي تريد أن تكونه.

قرّرت في الدقيقة التاسعة والخمسين. وقف أدريانو خلف ضربةٍ حرّة وسدّدها أرضيّةً قويّةً داخل منطقة الستّة ياردات — لا كعرضيّةٍ تُرسَل، بل كلكمةٍ تُوجَّه — وكان أوبافيمي مارتينز هناك ليضعها في الشباك. 2–1. وانفجر الكورفا نورد.

وظلّ الأمر كذلك أربعًا وعشرين دقيقة، والملعب كلّه يحاول ألّا يصدّق بعد.

ثم جاءت الدقيقة الثالثة والثمانون: بيرلو، ضربةٌ حرّة، من تلك التي كان يعلّقها في الهواء كنغمةٍ ممدودة. ارتقى ياب ستام فوق الجميع. 2–2.

وها هي الحكاية القديمة تصل في موعدها تمامًا. الإنتر يتقدّم، الإنتر يستقبل، الإنتر يتعلّم مرّةً أخرى ما كان يعرفه عن نفسه أصلًا. ثلاث سنواتٍ بلا انتصارٍ في الديربي، وهذه هي النسخة التالية من الدرس نفسه.

غير أنّ المباراة لم تنتهِ.

الدقيقة الأولى من الوقت بدل الضائع. ركنيّة، آخر ما تبقّى للإنتر، ونفّذها خوان سيباستيان فيرون — في الثلاثين من عمره، بعدما شُطب اسمه في إنجلترا، وهو يعيش في صمتٍ أفضل شهوره منذ سنوات.

وارتقى أدريانو.

لم يكن رجل كراتٍ رأسية. كان رعدًا وقدمًا يسرى وكتفين، مهاجمًا مصنوعًا للعنف على الأرض لا في الهواء. لكنه ارتفع، ووصل، ووضعها بعيدًا عن دِيدا — وفعل سان سيرو ما لا يفعله سوى مرّتين في كلّ عقد: ستّة وسبعون ألف إنسان يصدرون صوتًا واحدًا.

3–2. ولم يفرغ الرُّبع الأسود والأزرق من المدرّجات إلا بعد وقتٍ طويل.

ما جاء بعد ذلك يُعقّد الصورة، كحال كلّ شيءٍ في ذلك الموسم. أنهى الإنتر الدوري ثالثًا على أرض الملعب، بستّةٍ وسبعين نقطة، خلف يوفنتوس بإحدى وتسعين وميلان بثمانٍ وثمانين. ثم جاء صيف الكالتشوبولي، والتسجيلات الهاتفية، وخصم النقاط، وفي السادس والعشرين من تمّوز/يوليو 2006 منح الاتحاد الإيطالي الإنتر «سكوديتو» لم يفز به بين الخطوط. سبعة عشر عامًا من الانتظار، ثم جاء اللقب من قاعة تحقيق.

ما زال الناس يختلفون حول ذلك اللقب، وسيظلّون يختلفون.

لكن أحدًا لا يختلف على الحادي عشر من كانون الأول.

ذاك انتُزع أمام العالم كلّه، في إحدى وتسعين دقيقة، بركلتَي جزاءٍ لخطأٍ واحد، وبضربة رأسٍ من رجلٍ لا يجيد ضربات الرأس، في ملعبٍ قضى ثمانية أشهرٍ وهو يخجل من نفسه.

في بعض الأصائل، تُعيد إليك الكرةُ ما كانت الكرةُ قد أخذته منك.